بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي فطر الخلق على التوحيد، وجعل الحنيفية السمحاء ملة إبراهيم، وجعل أهل الإيمان حزبَه وأولياءه، وأهل الشرك والبدع أعداءه، وأرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد الخالص، فكشف الله به ظلمات الشرك، وأظهر به السنة، وأذل به أهل الأهواء والبدع، وهدم به أركان الشرك والضلالة، وأعلى به راية الدين، وأكمل به الملة، وجعل في طاعته الفوز والنجاة، وفي مخالفته الخسران والردى.
نحمده سبحانه ونستعينه، ونستغفره ونتوكل عليه، ونعادي من عادى دينه، ونحب من أحبّه ووالاه، ونبغض من خالفه وشنّأه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة خالصة من الشك والارتياب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله أعداءه من المشركين والمنافقين وأهل البدع والملل، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغرِّ المُحجَّلين، الذين والَوا في الله وعادَوا فيه، وأقاموا الدين، وذبّوا عن حياضه، وعلى من سار على نهجهم، واهتدى بهديهم، إلى يوم الدين.
أما بعد:
فبعد البحث الأخير، خرج علينا رويبضةٌ من أهل البدع المخالفين، من أصحاب المنهج القطبيّ الآيم، لم ينصروا الإسلام، ولم يعلوا راية التوحيد، ولم يكسروا أصنام الشرك والعدوان، بل كانوا للكفر أقرب، وعن السنة أبعد.
يطعنون في الموحدين، ويسمّونهم حداديةً، ويُعظمون أهل الشرك ويصفونهم بالإمامة!
فيا قُبْحًا لمنهجهم، وسُحقًا لفكرهم، وبُعدًا لمسلكهم؛ فلا هم نصروا دين الله، ولا أنكروا المنكر، بل كانوا معول هدمٍ للسنة، وستار تمويهٍ لأهل الأهواء والضلالة.
وقد حاول إقامة بحثه الساقط بنقولاتٍ عن ابن تيمية الحفيد رحمه الله، وحاول إلساق كلامه بالسلف، وكأنَّه مسلمٌ له، فإِنَّ هذا بابٌ للاتباع لا للاستنباط، فليس كلام ابن تيمية بالوحي المنزل، والعبرةُ بالإجماعات لا بالشذوذات.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ألخص ما حاول إثباته في هذا البحث:
أولًا: النظر في السياقات والمقامات فنفرق بين ما يقع جوابًا خاصًا وقاعدة عامة مطلقة.
ثانيًا: إذا قلنا بالنقطة الأولى يلزمنا اشتراط الاقتناع بإقامة الحجة الخاصة وإزالة الشبهة.
ثالثًا: أن أحمد بن حنبل لا يكفر القائل بخلق القرآن حتى يلتزم بأن علم الله مخلوق.
رابعًا: أن ابن تيمية يقول في “حفص الفرد” إن الشافعي لم يكفره بل كفر مقالته.
خامسًا: أن من كفر الصفاتية الأشاعرة فهو من مغالين ويجب أن يتوسطوا – أي لا يكفرونهم – وبدأ ينقل النقول في الكلام على أشخاص تكلم فيهم بحق.
سادسًا: أن الحدادية – كما يزعمون وهم أهل الأثر – يمسكون الأثر الغليظ مع المخالفين ويحملونه على العموم، وهذا من التسرع، وأنهم لا يملكون أدوات الفهم، وأن كلام السلف الغليظ للتحذير لا للتكفير.
ابدأ باسم الله ردًا عليها نقطةً نقطه، وذكر الدليل إذا وجد من مصادر التلقي: القرآن، والسنة، وقول الصحابة، والإجماع.
أما النقطة الأولى، وهي: النظر في السياقات والمقامات، فنفرق بين ما يقع جوابًا خاصًا وقاعدة عامة مطلقة.
الجواب: نحن، بحمد الله، ننظر للنصوص بسياقاتها ومقاماتها، فلا ننسب لإمامٍ أمرًا لم يقرره، ولا نقيد قوله بكلام رجلٍ جاء بعدهم بأربعمئة عام، بل نفهم كلامهم على ضوء القرآن والسنة والإجماع، وكلام أقرانهم، وكلامهم الآخر؛ فنجمع ولا نفرق، ولا نجتزئ كما هو حالك. وسيأتي معنا أنك من أهل الاجتزاء، فلا تجمع كلام الإمام أحمد، بل تظهر كلامه بأنه متناقض، استنادًا على “الذهبي ومن عاصره”. الله المستعان.
وهذه النقطة: عليكم لا لكم، فنحن نظرنا في جواب الإمام أحمد الخاص للعوام الذين هم أولى بالتعليم، فيُعلَّمون الشروط والموانع على زعمكم، ولكننا نجد الأئمة يأمرون العوام بعدم الصلاة خلف الجهمية، ولا من يقول القرآن مخلوق، ويكفرونهم، ويظهرون هذا للعامة، ولما يُستفتون في حكمهم يأمرون بتكفيرهم. وهذه أسائله من العوام، فلا حول ولا قوة إلا بالله. فانتم جعلتم الضوابط، والأئمة يتغافلونها ولا يذكرونها للعوام حتى يقعوا بالغلو! والحدادية!
جاء في «الإبانة الكبرى – ابن بطة» (6/ 121):
388 – حدثني أبو القاسم حفص بن عمر قال: نا أبو حاتم، قال: نا عبد العزيز بن أبي سهل المروزي، قال: نا عصام بن الحسين، قال: أنا عبد الصمد بن حسان، قال: قال خارجة بن مصعب: «إذا صليت خلف الإمام وبجنبك جهمي، فأعد الصلاة»
قال الشيخ (ابن بطة): معنى قول خارجة رحمه الله في الجهمي يصلي بجنب الرجل يعيد يريد بذلك أن من صلى خلف إمام وحده وإلى جانبه جهمي، أو صلى خلف الصفوف وحده وإلى جانبه جهمي، أنه يعيد، وذلك أن مذهب جماعة من الفقهاء أن من صلى خلف الصف وحده، أو قام خلف إمام وحده، أعاد الصلاة، فكأن خارجة أراد أنه من صلى خلف الصف هو جهمي، فكأنما صلى خلف الصف وحده، لأن الجهمي ليس هو مسلما ولا في صلاة، فالقائم إلى جنبه كالقائم وحده، فأما الجهمي إذا قام في صف فيه جماعة هو كأحدهم، فصلاة الجماعة جائزة وكذلك روى المروذي، عن أبي عبد الله، قال: قلت لأبي عبد الله: رجل صلى خلف الصف هو ورجل، فلما سلم نظر إلى الذي صلى على جانبه فإذا هو جهمي، قال: يعيد الصلاة فإنه إنما صلى خلف الصف وحده، أو كلام هذا معناه إن شاء الله”
أقول: وهذه فتاوى للعوام، فإن العامي يُجاب بهذه الفتوى فيطبقها، ويفهم منها أنه صلى لوحده، والصلاة لوحده في صف منفرد لا تجزئ. فالجهمي لا يُعد مسلمًا، ولا تُقبل صلاته اذا كان بجنبه، فتنبه.
جاء في «الإبانة الكبرى – ابن بطة» (6/ 62):
270 – وأخبرني أبو القاسم، قال: حدثنا أحمد بن محمد هارون، قال: حدثنا الحسن بن هارون، قال: حدثني محمد بن أبي هارون، قال: حدثني أبو بكر بن صالح، قال: سئل عبد الوهاب يعني الوراق عن ” رجل حلف بالطلاق أن لا يكلم كافرا، فكلم رجلا يقول: القرآن مخلوق، فقال: حنث وقال: «إذا حلف بالقرآن فحنث، فعليه بكل آية يمين، ففي هذا حجة قوية على الجهمية»
أقول: تنبه لهذا، فإن الرجل المستفتي بمجرد كلامه للقائل بخلق القرآن يكفر، ولا يُقال: انظر هل أقيمت عليه الحجة وزُيلت عنه الشبهة؟ إن كان كذلك فقط. حنثت، بل اكتفى عبد الوهاب الوراق بمجرد معرفته أن الرجل قال بخلق القرآن، وهذا الإمام هو المعول عليه عند الإمام أحمد في باب الجهمية. فرحمة الله على الجميع.
فإن قال هذا الذين ننازعكم فيه: إنكم تأخذون الجواب الخاص وتجعلونه أصلًا عامًا تكفرون به كل القائلين دون تروي ولا أدوات.
أقول: نقل الإمام ابن بطّة لهذا وغيره من الأئمة دليل على أنه أصل للتعامل مع المخالف الواقع بهذه المسألة، فلم يفرد الجواب لعالم، بل جعله أصلًا يعتمد عليه دون تفصيل.
وهذا هو الخطأ الذي وقعتم فيه، فتأتون بكلامٍ أن الفتوى قد تختلف باختلاف المستفتي، ثم لا تأتون بختلاف الفتوى. فالفتوى واحدة، فإن هذا الاختلاف، هل وجد عن عبد الوهاب فتوى لرجل آخر تدفع هذه الفتوى؟ فهذا ما فهمه الإمام ابن بطّة رحمه الله.
بل مما يُؤكد أن هذه قاعدة عامة، ما ينقله الإمام المفترى عليه، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري – الذي يرميه المخالف المردود عليه بأنه “لفظي”، والعياذ بالله في «خلق أفعال العباد للبخاري» (ص34):
وقال سليمان بن داود الهاشمي، وسهل بن مزاحم: ” من صلى خلف من يقول: القرآن مخلوق أعاد صلاته”.
أقول: فهذه قاعدة عامة، تبدأ بـ “من” الشرطية، وتنتهي بالأمر في الإعادة. وقد تبين في البحث أن “من” الشرطية تدل على العموم الشمولي، لا البدلي، فتنبه.
فهذه الصورةُ صورةٌ عامة، تقع مع العوام والعلماء، ولم يفصلوا فيها، ولم يُجيبوا بجوابٍ خاص، بل جعلوها لازمةً لكل من صلى خلف قائلٍ بخلق القرآن.
وهذا دليل على التكفير، لأن السلف يفصّلون في البدع المفسِّقة، وأما البدع المكفِّرة فلا، بل يُحكم فيها بالحكم العام الواضح، دون تمييعٍ أو تفصيلٍ لا دليل عليه.
ومن أراد الزيادة، ففي الكتاب نصوصٌ كثيرة في هذا الصدد، وقد تعمّدتُ عدم التكرار؛ لتوفّر الأدلة الكثيرة على مذهب السلف رضي الله عنهم.
وهذا إجماعٌ منهم.
أما النقطة الثانية، وهي: إذا قلنا بالنقطة الأولى يلزمنا اشتراط الاقتناع بإقامة الحجة الخاصة وإزالة الشبهة.
أقول: يُسلَّم لكم هذا إذا بينتم لنا من كلام واحدٍ من السلف اشتراط الاقتناع، ثم العناد.
وأما إذا جئتم بكلام ابن تيمية أو غيره من المتأخرين، فهذا دليلٌ ضمنيٌ على أن مذهبكم مذهبٌ شاذ، ليس على الآثار، بل مخالف لها، فمحاولةُ الالتصاق به محاولةٌ باطلة، لا أساس لها.
ثم في البحث الذي رددتُ فيه على أخيكم الجهمي الخارجي: “عمر التركماني”، قد بيّنتُ أن هذا الأصل ثابتٌ في كل زمانٍ ومكان، بنصٍّ صريحٍ عن الإمام الآجُرِّي، وهو متقدِّمٌ على ابن تيمية الحفيد بأكثر من ثلاثمئة عام، فتنبهوا ولا تخلطوا المتأخر بالمتقدِّم.
أما النقطة الثالثة، وهي: أن أحمد بن حنبل لا يكفر القائل بخلق القرآن حتى يلتزم بأن علم الله مخلوق.
أقول: وهذه دعوى مُفترَاة على الإمام أحمد!
فالنصُّ الوارد عنه ليس فيه تقييد تكفير القائل بخلق القرآن بالقول بخلق العلم، فمن أين لكم هذا؟!
ألست تزعم أنَّ علينا مراعاة تنوّع المقامات، وجمع كلام الإمام على ضوء مذهبه، وعدم الاجتزاء؟
فكيف تأخذ كلامًا واحدًا وتدع عشرة نصوصٍ ظاهرة؟!
أم أنَّ الجمع عندكم خاصٌّ إذا وافق مذهبكم، وإذا خالفكم احتججتم بالاحتمالات والتقييد والتأويل؟!
النص المُحتج به: “يستشهد بما حكاه صالح بن أحمد عن أبيه لما حول إلى دار إسحاق ابن إبراهيم : كان يوجه إلي كل يوم برجلين أحدهما يقال له أحمد بن أحمد بن رباح والآخر أبو شعيب الحجام فلا يزالان يناظراني حتى إذا قاما دعي بقيد فزيد في قيودي فصار في رجلي أربعة أقياد فلما كان في اليوم الثالث دخل علي فناظرني فقلت له : ما تقول في علم الله ؟ قال مخلوق قلت كفرت بالله ( 1 ) فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم إن هذا رسول أمير المؤمنين فقلت : إن هذا قد كفر
( 1 ) قال المحقق : جاء بهامش الأصل الذي اعتمد في تحقيق ” تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي : إنما كفره لأنه إذا كان علم الله مخلوقا لزم أن يكون في الازل بغير علم حتى خلقه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وهذا حق بديهي معلوم من الدين بالضرورة
سير أعلام النبلاء ج 11 ص 243″
أقول: العبرةُ بكلام الإمام نفسه، فإنه ردَّ هذا التأويل الباطل، والتقييد العاطل، فقد صرَّح بأن القائل بخلق القرآن يكفر، وإن لم يقل إن علم الله أو أسماءه مخلوقة، فتنبه.
قال ابو بكر الأثرم في «السنة لأبي بكر بن الخلال» (5/ 139):
قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَمَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ: «لَا أَقُولُ أَسْمَاءُ اللَّهِ مَخْلُوقَةٌ، وَلَا عِلْمُهُ» ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، أَقُولُ: هُوَ كَافِرٌ؟ فَقَالَ: «هَكَذَا هُوَ عِنْدَنَا».
فليتك تعمل بالمثالية المزيفة التي تصطنعها، يا هذا.
أما النقطة الرابعة، وهي: أن ابن تيمية يقول في “حفص الفرد” إن الشافعي لم يكفره بل كفر مقالته.
أقول: وابن تيمية نفسه له قولان؛ ففي موضعٍ يرى أن الشافعي كفّره، وفي موضعٍ يرى أن الشافعي كفّر مقالته دونه. وسواءٌ كان آخر ما ذهب إليه هو الأول أو الثاني، فهذا ليس موضع خلافنا، على أني أرجّح، وأحسن الظن به، أنه يرى كفره لوقوفه على باقي الألفاظ. فإن نص الشافعي ظاهرٌ في تكفير حفصٍ، بل سمّاه حفصًا المنفرد، وقال عنه: كافر، وأراد قتله، وقال حفص إن الشافعي كفّره. فتنبه.
قال ابن تيمية في «شرح العقيدة الأصبهانية» (ص371) ط. دار المنهاج:
ومناظرة الإمام الشافعي لحفص الفرد، صاحب ضرار بن عمرو الكوفي، وبينا قول حفص الذي كفره به الشافعي.
وأنقلُ لكم بعض ألفاظ الأخبار الواردة على سبيل الاختصار، لا التفصيل.
جاء في «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء – ط السعادة» (9/ 112):
حدثنا الحسن بن سعيد ثنا زكريا الساجي قال سمعت أبا شعيب المصري يقول – وأثنى عليه الربيع خيرا – قال: حضرت الشافعي وعن يمينه عبد الله ابن عبد الحكم، وعن يساره يوسف بن عمرو بن يزيد، وحفص الفرد حاضر … فقال لي:
رأيت ما فعل بي الشافعي أمس؟ كفرني.
جاء في «آداب الشافعي ومناقبه» لابن أبي حاتم (ص148):
أنا أبو محمد، ثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثني من أثق به، فقال: وكنت حاضرا في المجلس، فقال حفص الفرد: القرآن مخلوق، فقال الشافعي: كفرت بالله العظيم.
جاء في «مناقب الشافعي للبيهقي» (1/ 455):
وقرأت في كتاب أبي يحيى: زكريا بن يحيى الساجي، فيما رواه الشيخ أبو الفضل الجارودي الحافظ، عن أبي إسحاق القزّاز، قال: حدثنا زكريا، قال: سمعت أبا شعيب المصري – شيخ من أصحاب الحديث – يقول: حضرت الشافعي: محمد بن إدريس، وعنده يوسف بن عمرو بن يزيد، وعبد الله بن عبد الحكم، في منزله فدخل عليهم حفصٌ الفرد … حتى كَفَّره الشافعي وقطعه.
والنصوص في هذا كثيرة، ثم من اضطراب القوم وعدم ضبطهم الأصول: أن الواحد منهم يقول: الشافعي لم يكفّر حفص الفرد، مع مناظرته إياه، بل كفّر مقالته ولم يكفّره عينًا. فنقول: إذًا، لماذا الانتساب لابن تيمية الذي يرى كفر القائل بخلق القرآن إذا قُيمت الحجة؟ إذا كنتم لا تعتبرون القول كفرًا في نفسه، فاعلمونا. فما قولكم هذا إلا التفافٌ وطَيٌّ لعنق النصوص، وتحميلٌ لها ما لا تحتمل.
أنقل لكم قوله بالنص فإنهُ يقول: “فالإمام الشافعي رحمه الله لما واجه حفص الفرد في قوله بخلق القرآن صرّح بأن القول كفر لكنه لم يُصدر حكمًا على حفص بالردة وهذا يدل على منهج أهل السنة في ضبط التكفير وضرورة التحقق من شروط التكفير قبل إصدار الحكم على الشخص بعينه”
فلا حول ولا قوة إلا بالله. علمنا مذهبكم: أن الله لم يُقم الحجة على المشركين من عبدة الأصنام والأضرحة، ولم يُقم الحجة على من أشرك به في أسمائه وصفاته! وهذا أيضًا دَأب رسوله – والعياذ بالله – ودأب السلف الكرام كالشافعي! فمتى تُقام الحجة إذ لم يُقم هؤلاء الحجة؟!
بل في قولك الماضي دليلُ جهلٍ مركب، فإنك لم تقرأ ألفاظ الخبر، فوقعتَ في هذا الجلل! قُبْحًا لكم من عاذرية.
جاء في «آداب الشافعي ومناقبه» لابن أبي حاتم (ص149):
قال أبو محمد في كتابي: عن الربيع بن سليمان، قال: حضرت الشافعي، أو حدثني أبو شعيب، إلا أني أعلم أنه حضر عبد الله بن عبد الحكم، ويوسف بن عمرو بن يزيد، وحفص الفرد، وكان الشافعي يسميه حفصا المنفرد…
فسأل الشافعي، فاحتج عليه الشافعي، وطالت فيه المناظرة، فأقام الشافعي الحجة عليه، بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكفر حفصا الفرد.
أقول: ومع قيام الحجة لا تكفرون، فمتى تكفرون؟! قد علمنا أنكم وضعتم إقامة الحجة لإلغاء حكم التكفير بكليته، بل وصرّحتَ أنت يا رمح بأن مذهب السلف في تكفير اللفظية من التعسف والغلو، فقُبْحًا لك.
فإن جاء متحذلق، وقال: “النص الذي مرّ دليلٌ واصلٌ أن الشافعي لا يُكفّر إلا بعد إقامة الحجة”.
أقول: هذا القول لا يحتمله النص، بل الشافعي يرى كفر القائل بخلق القرآن لمجرد قوله، وقد مرّ في الأبحاث القديمة ضابط العذر عند الشافعي، وعدم انطباقه على القائل بخلق القرآن، فتنبه. ثم إن إقامة الحجة هنا ليست شرطًا للتكفير، فمن أين فهمتم هذا من النص؟! فنحن نرى كفر النصارى، وبعضنا يناقشهم ويناظرهم، فيقيم عليهم حجةً زائدة على الحجة العامة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فالنصراني قبل المناظرة وبعدها كافر. فإن زعم أن (الواو) للتعاقب، قلنا: بل هي للملازمة، فقد كفّره الإمام وأقام عليه الحجة، ومع ذلك لم يعلّق الأحكام على إقامة الحجة، بل لازمتها.
أما النقطة الخامسة، وهي: أن من كفر الصفاتية الأشاعرة فهو من مغالين ويجب أن يتوسطوا – أي لا يكفرونهم – وبدأ ينقل النقول في الكلام على أشخاص تكلم فيهم بحق.
أقول: والكلام في الصفاتية الأشعرية تكفيرًا، ليس من دأب الغلاة كما يصوّر هذا الأحمق الأخرق، فإن مقالاتهم من أشد مقالات الجهمية في كل أبواب الاعتقاد، إلا باب الصحابة، وبعضهم حتى انحرف في هذا الباب، فصار يرمي الصحابة بالتجسيم، وأن النبي يخاطبهم على قدر عقولهم، كالعزّ بن عبد السلام – لعنه الله لعنًا كثيرًا. فكان من أقوالهم: القول بإرجاء جهم، والقول بالجبر الغالي – وهو جبر الجهمية – وعدم بقاء الرسالة والنبوة لنبينا اليوم، فقولنا (محمد رسول الله) من المخالفات الشرعية عندهم. ومن كفرياتهم أيضًا: القول بالحكاية، والقول بإنكار العلو، ونفي الصفات.
ومع هذا كله، يقول الأحمق القطبي الخارجي: إنهم مسلمون، ويجب التوسط فيهم (أي عدم تكفيرهم)، وأن من تكلّم فيهم فهو من المبالغة! وبيننا وبينك السلف يا قطبي.
فإن قال المتحذلق: كيف تريد أن نتحاكم للقرآن والسنة وإجماع السلف فيهم، وهؤلاء ظهروا بعد زمن السلف؟!
أقول: قد بيّن لنا الشافعي هذا، وسدّ عليكم الباب.
قال الإمام الشافعي في «الأم» (1/ 179 ط الفكر):
والعلم من وجهين اتباع، أو استنباط والاتباع اتباع كتاب فإن لم يكن فسنة فإن لم تكن فقول عامة من سلفنا لا نعلم له مخالفا، فإن لم يكن فقياس على كتاب الله عز وجل، فإن لم يكن فقياس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن فقياس على قول عامة من سلف لا مخالف له.
أقول: فإن لم يكن أمرٌ منصوصٌ في هذه المصادر، فالقياس عليها ونسبته لهم جائز كما كان يفعل قتادة.
قال ابن سعد في «الطبقات الكبير» (9/ 229 ط الخانجي):
أخبرنا عفّان بن مسلم قال: كان قتادة يقيس على قول سعيد بن المسيّب ثمّ يرويه عن سعيد بن المسيّب.
فإن قُلنا: مذهب السلف وقواعدهم تقتضي تكفير الجهمية الصفاتية كالأشاعرة، قبحهم الله، فإن قولنا مستقيم، ولا نحتاج فيه إلى من سميتموهم ثم طعنتم فيهم، كيحيى بن عمار، والهروي، والأهوازي.
وبعد أن نسبنا لهم هذه الكفرات الظاهرة، هل نحن مفترون عليهم؟ هل نسبنا لهم مذهبًا غير مذهبهم؟ وما حكم القائل بهذه المذاهب؟
ومن اراد الزيادة «اضغط هنا»
أما النقطة السادسة، وهي: أن الحدادية – كما يزعمون وهم أهل الأثر – يمسكون الأثر الغليظ مع المخالفين ويحملونه على العموم، وهذا من التسرع، وأنهم لا يملكون أدوات الفهم، وأن كلام السلف الغليظ للتحذير لا للتكفير.
أقول: هذا من البهتان على مخالفيهم؛ فإنّا -بحمد الله- نظرنا في الآثار بتجرّد، وكنّا يومًا منكم وفي صفّكم، بل كنتُ في مجموعاتكم الخاصّة، وأنت تعلم ذلك. فلمّا أنصفت، وتجرّدت من العاطفة، ونظرتُ في الدلائل الشرعية واللغوية، سرتُ إلى ما انتهيت إليه؛ فإنّ التمسك بالآثار نجاة، والأثرية حياة.
وقد بيّنت في أبحاث متفرقة الأدلة الشرعية واللغوية على عدم عذر الجهمية، وأشير إلى آخر كتيّب تناول هذا الموضوع، ففيه تفصيل لهذه الدلائل. وقد ذكرت فيه قاعدتين مهمّتين:
القاعدة الأولى: ما قرّره الإمام البخاري -رحمه الله- بأن “الشيء يبقى على اسمه وجملته حتى يأتي الاستثناء”، وشرحنا المراد بذلك.
القاعدة الثانية: أن “مَن” الشرطية تفيد العموم الشمولي، وقد بيّنا تطبيقات عملية لهذه القاعدة، ورددنا على الاعتراضات عليها من كلام ابن تيمية الحفيد، وقد أشرنا إلى ذلك سابقًا «اضغط هنا»
وأنصح بالرجوع إلى البحث المذكور، ففيه تفكيك لأصول المخالفين، وردٌّ عليها بالأدلة والنقول.
وختم بحثه بكلام بكر أبو زيد.
وأقول لك، ولبكرٍ في قبره: بيننا وبينكم القرآنُ والسنّةُ والإجماع الأثري، وما تسميتكم لنا بـ”البادرة الملعونة” إلا كوصف المجنون لغيره بالجنون. وانتهى.

