النبيذُ المُسكِرُ عند أهلِ الكوفة: دراسةٌ نقديّةٌ في أثرِه الفقهيِّ والحديثيِّ وكشفِ ما اعتراه من اضطرابٍ في النقلِ والتحرير.

شارك المقال:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آله وصحبِه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد كَثُرَ اللغطُ في مسألةِ النبيذ عند متقدِّمي أهلِ الكوفة، وتداعى إليها من لا يُحسنُ تحريرًا ولا يُقيمُ للعلمِ ميزانًا؛ فاختلطت فيها الدعاوى، واضطربت فيها النقول، وغاب عنها التحقيقُ الذي تُعرفُ به حقائقُ الأحكام. وهذا ما نَقصدُ إلى معالجتِه معالجةً علميّةً صارمة، تُميِّزُ صحيحَ النقلِ من سقيمِه، وتفصلُ بين الفقهِ الموروثِ والقولِ المبتور، على وجهٍ لا يُبقي لشبهةٍ قرارًا، ولا لدعوىً واهيةٍ أثرًا.

أولًا، تحرير مذهب أهل الكوفة.

أهل الكوفة المعروفين بالإمامة لم يستحلوا الخمر يومًا حيث إن مذهبهم أن الخمر المسكر حرامٌ بإجماعهم.
وإن النبيذ غير المسكر قليله ولا كثره جائز بإجماعهم، ثم أختلفوا في حكم النبيذ الذي مضى عليه أيام ولم يصبح خمرًا ولكن الكثير منهُ مسكر.
فقالوا: هذا النبيذ الذي كثيرهُ يصير بصاحبه للسُكر لا يجوز منه إلا القدر غير المسكر.

وقولهم هذا غير صحيح لحديث النبي ﷺ: “ما أسكر كثيرهُ فقليلهُ حرام”.

ولكن قولهم هذا لم يصير إلى استحلال الخمر المسكر كما يدعي المخالفون زورًا وبهتانًا.

جاء في «الموسوعة الفقهية الكويتية» (5/ 17):
12 – مذهب جمهور العلماء – كما تقدم – أن ما أسكر من النيء والمطبوخ، سواء اتخذ من العنب أو التمر أو الزبيب أو غيرها يحرم شرب قليله وكثيره، وقد سبق ذكر أدلتهم.
أما عند الحنفية، فقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن المطبوخ من نبيذ التمر ونقيع الزبيب أدنى طبخة، يحل شربه ولا يحرم إلا السكر منه.

قال ابن رشد في «البيان والتحصيل» (16/ 293):
‌النبيذ ‌المسكر بمنزلة الخمر في تحريم قليله وكثيره، فدرديه بمنزلته، وإنما يجوز ذلك على مذهب أهل العراق والذين يرون ما دون السكر من النبيذ المسكر حلالا، وأما دردي النبيذ الذي لا يسكر فجائز.

وأهل الكوفة متأولون مخالفون للحق فهذهِ زلةٌ منهم فتنبه!

جاء في «سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين» (ص341):
وسمعت يحيى بن معين يقول: «‌تحريم ‌النبيذ ‌صحيح، وأقف عنده لا أحرمه، قد شربه قوم صالحون بأحاديث صحاح، وحرمه قوم آخرون بأحاديث صحاح».

ثانيًا، هل تُسقط عدالتهم بهذا؟

لا تُسقط عدالتهم بمثل هذا فإنهُ كما مر بيان وجهه الفقهي محمول على التأويل والتأويل في خبر الخاصة يجوز فيه العذر وعلى هذا تطبيقات السلف مع من شرب هذا النبيذ ما لم يُصلهُ حد السكر.

ونحن نجد رواية هؤلاء القوم في صحاح الكتب المجمع عليها لا يُجرحون بها وقد أصل لنا الشافعي العذر بالتأويل في أخبار الخاصة اذا كان على وجهٍ يجوز معهُ التأويل.

قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي في «الأم» (7/ 56 ط الفكر):
وكل من تأول، فأتى شيئا مستحلا كان فيه حد، أو لم يكن لم ترد شهادته بذلك ألا ترى أن ممن حمل عنه الدين ونصب علما في البلدان من قد يستحل المتعة فيفتي بأن ينكح الرجل المرأة أياما بدراهم مسماة، وذلك عندنا وعند غيرنا من أهل الفقه محرم وأن منهم من يستحل الدينار بعشرة دنانير يدا بيد، وذلك عندنا وعند غيرنا من أهل الفقه محرم وأن منهم من قد تأول فاستحل سفك الدماء ولا نعلم شيئا أعظم من سفك الدماء بعد الشرك ومنهم من تأول فشرب كل ‌مسكر غير الخمر وعاب على من حرمه وغيره يحرمه.
ومنهم من أحل إتيان النساء في أدبارهن وغيره يحرمه، ومنهم من أحل بيوعا محرمة عند غيره فإذا كان هؤلاء مع ما وصفت وما أشبهه أهل ثقة في دينهم وقناعة عند من عرفهم، وقد ترك عليهم ما تأولوا، فأخطئوا فيه ولم يجرحوا بعظيم الخطإ إذا كان منهم على وجه الاستحلال.

وجاء في «الجرح والتعديل – ابن أبي حاتم» (2/ 26):
سمعت أبي يقول ‌جاريت ‌أحمد ‌بن ‌حنبل ‌من ‌شرب ‌النبيذ ‌من ‌محدثي ‌الكوفة وسميت له عددا منهم فقال هذه زلات لهم ولا تسقط بزلاتهم عدالتهم.

ونقل المعلمي الإجماع على هذا كما في «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» (10/ 384 ضمن «آثار المعلمي»):
فسماع البرقاني وغيره منه يدل أنه إنما كان على مذهب العراقيين في الترخّص في النبيذ، ‌ومثلُ ‌ذلك ‌لا ‌يُجرَح ‌به ‌اتفاقًا.

وقال عبد الله الجديع في «تحرير علوم الحديث» (1/ 360):
تحت مبحث (صور الجرح غير المؤثر)
وقصة شرب الكوفيين للنبيذ معروفة، وقولهم فيه مشهور في عصر النقل والرواية، وكانت استباحتهم حاصلة بالتأويل، فالقدح على راو رأى ذلك الرأي أو فعل ذلك الفعل بمجرد ذلك جرح مردود غير معتبر.

ثالثًا، قد نقل قومٌ ما روي عن ابن المبارك ولا يثبت.

جاء آثر ابن المبارك المنسوب في «الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي» (ص79):
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّكَّرِيُّ، ثنا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْكَسِّيُّ (الكشي تصحيف)، ثنا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْعَدْلِ ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ ، يَشْهَدُ الْجَمَاعَةَ ، وَلَا يَشْرَبُ هَذَا الشَّرَابَ ، ‌وَلَا ‌تَكُونُ ‌فِي ‌دِينِهِ ‌خَرِبَةٌ ، وَلَا يَكْذِبُ ، وَلَا يَكُونُ فِي عَقْلِهِ شَيْءٌ».

جاء في «بلوغ الأماني في تراجم الرجال الذين لم يعرفهم الألباني» (ص839):
‌‌2658 – ‌يحيى ‌بن ‌عبد ‌الغفار:
لم أعرفه.
“الضعيفة” (13/ 123،122).
قال الدريني: لم أقف له على ترجمة، وقد ورد اسمه عند الخطيب في “الكفاية” (ص 79): “أبو زكريا ‌يحيى ‌بن ‌عبد ‌الغفار ‌الكشي”، والله أعلم.

وقد ثبت عن ابن المبارك بالإسناد الصحيح انهُ لا يطعن عليهم بهذا فتنبه!

جاء في «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (5/ 235 ت مشهور):
قال عبد اللَّه بن المبارك: كنتُ بالكوفة فناظروني في النَّبيذ المختلف فيه، فقلت لهم: تعالَوْا فليحتج المحتج منكم عمَّن شاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالرخصة، فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحَّت عنه، فاحتجُّوا. فلما جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد اللَّه بن مسعود، وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم ينتبذ له في الجرِّ الأخضر، قال ابن المبارك فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمقٌ عُدَّ أن ابن مسعود لو كان هاهنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى، فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي -وسَمَّى عدة معهما- كانوا يشربون الحرام؟ فقلت لهم: دعوا عند المناظرة تسميه الرجال، فربّ رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون منه زَلَّة، أفيجوز لأحد أن يَحتجَّ بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارًا، قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيد؟ قالوا: حرام، فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالًا، أفماتوا وهم ياكلون الحرام؟ فبُهتوا وانقطعت حجتهم.

وجاءت مسندًا في «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» (9/ 4845):
قال إسحاق: أخبرني أبو وهب أن ابن المبارك قال: حاجني أهل الكوفة في المسكر فقلت لهم: إنه حرام، فأنكروا ذلك وسموا من التابعين رجالاً…

وجاء في «الثقات للعجلي ت البستوي» (2/ 274):
وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك ‌أَلا ‌اقْتَدَيْتُمْ ‌بسفيان ‌ومسعركم وبابن مغول إِذْ يجهدهم الْوَرع.

وجاء في «الكامل في ضعفاء الرجال» (1/ 167):
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمد بْنِ مَمْلَكٍ، حَدَّثَنا عِمْرَانُ بْنُ فيروز الآمِلِيُّ، أَخْبَرنا حَامِدٌ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: كَتَبْتُ عَلَى أَلْفٍ ومِائَة شَيْخٍ، ‌مَا ‌كَتَبْتُ ‌عَنْ ‌أَفْضَلِ ‌مِنْ ‌سُفْيَانَ بْنِ سَعِيد الثَّوْريّ.

وحامد هذا اذا حدث عن ضعيف يروي المناكير ولكن اذا روى عن ثقة فهو مقبول.

جاء في «الكامل في ضعفاء الرجال» (3/ 409):
ولم أر في حديثه إذا روى عن ثقة شيئا منكرا وإنما يؤتى ذلك إذا حدث عن ضعيف.

فلو كان ابن المبارك يسقط عدالته فكيف يفضلهُ على ألف شيخ!

انتهى.