الحمد لله، وبعد:
لقد ظهرت البدع عبر التاريخ الإسلامي على أشكال كثيرة، وتلك الفِرَقُ تبنّت أنواعا من البدع تتفق في بعض المقالات، وتتناقض في أخرى، وبعضها رَدَّةُ فِعْلٍ معاكسة، كالتشيع على الخوارج، والأشعرية على الاعتزال.
ولما كانت لكل فِرْقَةٍ أفكار وعقائد ومقالات وسمات اختصَّت بها عن غيرها من الفرق، تتشابه من نواحٍ، وتختلف في أخرى، كان مِن دقة العلماء أن ميزوا بين تلك الفرق بمسميات، فأطلقوا على كل فرقة اسما يميزها، فمن قال بالقدر سمي قدريا، ومن طعن بأبي بكر وعمر والصحابة رضي الله عنهم قيل له رافضي – أو شيعي بالمصطلح العام -، ومن طعن في علي وآل بيته قيل له ناصبي، ومن قال بخلق القرآن قيل له جَهْمي أو معتزلي على تفصيل في ذلك، وهكذا.
إن مما ابتُليت به الأمة بدعتان على طرفي نقيض، هما: بدعة التشيع، وبدعة النصب.
ولن أتكلم عن التشيع في هذا المقال؛ لوضوح أمره، إنما حديثي هنا عن بدعة النصب التي انقرضت قرونا، ثم أُحييت من جديد في آخر سبع سنين تقريبا، ومما يجعلها من السوء بمكانٍ أن أصحابها يدعون بأنهم من أهل السنة والجماعة، ويشتغل بعضهم بالرد على الشيعة!!
ما هي بدعة النصب؟
تتركز بدعة النصب في الاستنقاص أو الطعن أو بغض علي بن أبي طالب وآل بيته وعلى رأسهم الحسن والحسين رضي الله عنهم.
وهذه البدعة (بدعة النصب) أخذت عبر التاريخ أشكالا متعددة:
- فمنها ما يكون بالتعبّد والتديّن ببغض علي بن أبي طالب وأهل بيته، على رأسهم الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين، سواء صاحب ذلك طعن بهم أم لا.
- ومنها ما يكون بالطعن الصريح بهم، سواء صاحبه بغض أم لا.
- ومنها ما يكون بالتتبع والبحث عن زلاتهم وأخطائهم ونشر ذلك بين العامة والخاصة، سواءً بسوء نية، أو من باب الردِّ على الروافض وعلى قولهم بالعصمة، وبكل حال هذا الصنيع مخالف لمنهج أهل السنة، وهو من أفعال النواصب، وشتان بينه وبين بيان المواقف وفق منهج أهل السنة والجماعة، فالأخير لا حرج فيه.
- ومنها ما يكون بالغمز واللمز والإيحاء بعيوبهم دون التصريح بالطعن، سواء صاحبه بغضٌ أم لا.
فكل هذه الأشكال تعد من بدعة النَّصْبِ، ومنكرا عظيما يجب الإنكار على من فعله، وهي أفعال مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة الذين يحبون آل البيت بمن فيهم علي والحسن والحسين رضي الله عنهم، ويترضون عنهم، ويكفون عن ذكرهم إلا بجميل القول.
أنواع النواصب:
تشكّل في التاريخ الإسلامي نوعان رئيسان من النواصب، ترجع جذور نشأتهما إلى موقعة صفين سنة 37هـ، وهما:
- النوع الأول: الخوارج، وهم أهل حَرُورَاءَ الذين قاتلهم علي رضي الله عنه بالنهروان (38هـ)، واستمر وجودهم بعد ذلك وتفرقوا فرقا، ومن صفاتهم: بغضهم عثمان وعليا ومعاوية وأبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص وحَبِيب بن مَسْلَمَة رضي الله عنهم، وبغض رجالات الشام عموما بمن فيهم خلفاء بني أمية ورجالاتهم، وهم يتفقون مع الرافضة في كل ذلك عدا علي رضي الله عنه.
وهذا النوع (الخوارج) نشأوا نشأةً كاملةً يوم صفين، ولن أتحدث عنهم لخروجهم عن موضوع البحث.
- النوع الثاني: النواصب الذين ظهر أمرهم بعد موقعة صفين بالشام والبصرة، ومن صفاتهم: بغضهم عليا وأهل بيته، وتعظيمهم عثمان ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، وتعظيم رجالات الشام عموما بمن فيهم خلفاء بني أمية ورجالاتهم.
وهذا النوع (النواصب) ترجع جذور نشأتهم إلى يوم صفين، وتبلورت مقالاتهم تدريجيا مع السنين على ما سيأتي تفصيله.
ومع ملاحظة أن محبة أو كُره يزيد بن معاوية ومن بعده من الخلفاء الأُمويين رحمهم الله: ليست من المسائل العقدية، فلا يترتب عليه بدعة، إنما هي من الآراء التاريخية السياسية؛ لأنهم ليسوا صحابة، وبكل حال فإنني هنا ذكرت السمات العامة للفرق المذكورة أعلاه، فإن تلك الفرق لها آراء سياسية اشتهرت بها، وعلى المسلم أن يكون وسطيا متزنا في آرائه، فهؤلاء الخلفاء – مِن يزيد فمَن بعده – لهم حسنات، ولبعضهم هَنَات، كحال الملوك عبر التاريخ، وإن خَيْرَ بني أمية عظيم على الإسلام وأهله مع ما وقع في حقبتهم من أخطاء، فاللهُ يجيزهم خيرا على ما قدّموا، ويتجاوز عن مسيئهم، والله ولي التوفيق.
ومن أهم الأسباب التي دفعت أهلَ الشام عموما – سواء كانوا نواصب أم لا – في المبالغة في تعظيم يزيد ومن بعده من الخلفاء: هو ردة الفعل على الرافضة المبالغين في ذمهم، ولأن الملك كان في الشام.
نشأة بدعة النصب:
مضى آنفا بأن جذور بدعة النواصب ترجع إلى يوم صفين، وأنها تضخَّمَت مع السنين.
وإذا أردنا التعرف على نشأة بدعة النصب، فلابد أن نتعرف على مصطلح في التاريخ أُطْلِقَ على قوم يقال لهم “العُثْمَانِيَّة” الذين تدرج في بعضهم الغلو حتى حَمَلُوا على عليّ t وأبغضوه وشتموه، فصاروا نواصب.
وليس كل “العثمانية” أصبحوا نواصب، إنما بعضهم مِن الذين دَبَّ فيهم الغلو مع السنين.
المراحل التي مرت بها “العثمانية”:
لقد مر مصطلح “العثمانية” بخمس مراحل، وهي كالتالي:
المرحلة الأولى: بدأ الأمر حينما قُتِلَ عثمان وبويع علي رضي الله عنهما، فقام أهلُ الجمل بالطلب بدم عثمان، واشترط أهلُ الشام تقديمَ الاقتصاص على البيعة، فبعض الناس أعانوا أهلَ الجمل وأهلَ الشام وشهدوا معهما الجمل وصفين، وبعضهم أيدوا رأيهم في الطلب بدم عثمان دون شهود الوقعتين، ومن الأمثلة عليه: أهل البصرة الذين أيدوا معاويةَ رضي الله عنه بطلب الاقتصاص ولم يشهدوا معه صفين.
وجميع هؤلاء المطالبين والمؤيدين للطلب بدم عثمان: كانوا يسمون “العثمانية”؛ بسبب المطالبة والتأييد، رضي الله عن الصحابة أجمعين.
وغاية ما يقال في هذه المرحلة: أن الذين حاربوا عليا رضي الله عنه يوم صفين كانوا “فئة باغية” بنص الحديث الصحيح، وكان بعضهم يراه غير مصيب في تأخيره الاقتصاص، وكل ما وقع من أهل الشام كان باجتهاد منهم مأجور مغفور، ولا يزاد على ذلك.
وفي هذه المرحلة لا وجود لبدعة النصب في “العُثْمَانِيَّةِ”.
معنى آخر لِلْعُثْمَانِيَّةِ:
وللعثمانية معنى آخر، وهو مَنْ يُقَدِّمُ عثمانَ على عليٍّ في الفَضْلِ سواء كان مؤيدا للطلب بدم عثمان أم لا.
وهناك سببان لدخول غير المؤيدين للطلب بدم عثمان في مصطلح “العثمانية”، هما:
السبب الأول: اشتهار شيعة الكوفة بتقديم علي على عثمان في الفضل، وبعض غلاتهم يقدمون عليا على أبي بكر وعمر، رضي الله عنهم جميعا، فصار من يخالفهم في ذلك ويقدم عثمانَ يقال له “عثماني”، مقابلةً لمصطلح التشيع القديم الذي يعني تفضيل عَلِيٍّ على عثمان رضي الله عنهما.
والمثال عليه: أَبُو وَائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الكُوفِيُّ، كان عُثْمَانِيًّا (أي يقدِّم عثمانَ على علي في الفضل)، ومع ذلك كان محبا لعلي ومناصرا له، شَهِدَ معه صِفِّينَ. انظر: سير أعلام النبلاء (4/166، 268).
السبب الثاني: اشتهار العثمانية (المؤيدين للطلب بالدم) بتقديم عثمانَ عَلَى عَلِيٍّ في الفضل، فغلب المصطلح على جميع المقدِّمين لعثمان، سواء أيدوا الطلب بدمه أم لا.
إن مصطلح العثمانية على هذا المعنى (تقديم عثمان): كان خاصا بالذين أدركوا زمن الجمل وصفين، فلما انقضى ذلك الجيل انقضى معه هذا المصطلح، فلا يقال لمن جاء بعدهم: “عثماني” بمعنى أنه يقدم عثمان على علي رضي الله عنهما.
المرحلة الثانية: بعد انجلاء الفتنة وعام الجماعة (41هـ)، بدأ الغلو يَدِبُّ في بعض العثمانية المؤيدين للطلب بدم عثمان رضي الله عنه، فجعل بعضهم يخوض ويُظهر القول في تخطئةِ علي رضي الله عنه في مواقفه، كتأخيره الاقتصاص، وحربه بالجمل وصفين، وتخطئته في مواقفه عموما، وذلك سعيا منهم في الانتصار للموقف السياسي لأهل الشام زمن الفتنة.
وكانت هذه المرحلة بداية دخول بدعة النصب في بعض “العثمانية”.
المرحلة الثالثة: تطور الأمر من القول بالتخطئة إلى إظهار السخط – عند بعض “العثمانية” في الشام – على علي رضي الله عنه لكونه قَتَلَ أبناءهم وبني عشائرهم بصفين، فأظهروا القول بالبغض والسخط من علي رضي الله عنه، وشيئا فشيئا، انتقل ذلك إلى عثمانية البصرة.
وفي هذه المرحلة أصبح بعضُ “العثمانية” نواصب.
فتح الباري لابن حجر (7/ 16): وقد طعن فيه ابن عبد البر واستند إلى ما حكاه عن هارون بن إسحاق قال: سمعت ابن معين يقول: من قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعرف لعلي سابقيته وفضله فهو صاحب سنة، قال فذكرت له من يقول أبو بكر، وعمر، وعثمان ويسكتون فتكلم فيهم بكلام غليظ، وتعقب بأن ابن معين أنكر رأي قوم وهم العثمانية الذين يغالون في حب عثمان وينتقصون عليا، ولا شك في أن من اقتصر على ذلك ولم يعرف لعلي بن أبي طالب فضله فهو مذموم
ابن مَعِينٍ أَنْكَرَ رَأْيَ قَوْمٍ وَهُمُ الْعُثْمَانِيَّةُ الَّذِينَ يُغَالُونَ فِي حُبِّ عُثْمَانَ وَيَنْتَقِصُونَ عَلِيًّا
إتماما للفكرة:
قد مرَّ في هذه المرحلة الثالثة أن بعض العثمانية بالشام أظهروا السخط والبغض لعلي بسبب مقتل أبنائهم بصفين، وإتماما للفكرة، فإن عليا رضي الله عنه لم يَسْلَمْ من جيش العراق أيضا، فإنهم بعد صفين مَلَّ أكثرهم من القتالَ معه من الأهوال التي رأوها بصفين، ثم انكسرت ظهورهم يومَ النهروان حين قتلوا أبناءهم وبني قبائلهم بأيديهم، فسخط أكثرهم من علي رضي الله عنه وأبغضوه، وأظهروا له العناد كما بينته في كتابي “صحيح أخبار صفين”، مع التأكيد على أن قتال علي للخوارج بالنهروان شرف عظيم وفضل كبير، أصاب فيه علي رضي الله عنه صوابا تاما، لكنّ عناد جيشه كان من نتائج وقعة النهروان.
وجند الكوفة هؤلاء مع سخطهم وبغضهم لعلي بعد النهروان: لم يُسَمِّهِمْ أحدٌ نواصب؛ لأن الخوارج والنواصب فرقتان لهما أصولهما وأفكارهما، وجند الكوفة يفارقونهم فيها، ومن ذلك:
- أن جند الكوفة هم وأعوان علي الذين حاربوا معه، لم يخلعوا بيعته ولم يظهروا الخلاف عليه كما فعلت الخوارج، سوى أن عليا كان يدعوهم لقتال أهل الشام فيتثاقلون، وهذا معنى العناد الذي وصفوا به.
- أن جند الكوفة مع سخطهم وبغضهم لعلي بسبب مقتل أبنائهم بالنهروان: لم يكونوا ينتقصونه أو يشتمونه، ولم يُخطِّئوه في موقفه بالجمل وصفين، وهذا على خلاف رأي الخوارج والنواصب، والخوارج تُخطِّئُ عليا لقبوله بالتحكيم يوم صفين، وغاية ما تَكَلَّمَ به جندُ الكوفة هو أنهم عابُوا على علي رضي الله عنه قَتْلَهُ أبناءهم بالنهروان، وجعلوا يَلُومُونَهُ على ذلك، ولم يتكلموا في علي رضي الله عنه بغير ذلك.
- أن صنيع جند الكوفة (السخط والبغض لعلي) صدر من فئة محددة في زمن محدد، وهم أكثر الجنود الذين شهدوا النهروان، في مدة قصيرة استمرت من موقعة النهروان في صفر 38هـ حتى استشهاد علي رضي الله عنه في رمضان 40هـ، أي أقل من ثلاث سنين، فلما بايعوا الحسن اندثر هذا الموقف في العراق ولم يعد له وجودٌ البَتَّةَ، ولم يعاندوا الحسن بن علي رضي الله عنهما، وعادت الكوفة إلى ما اشتهرت به من التشيع في تفضيل علي على عثمان رضي الله عنهما.
يعود الحديث إلى “العثمانية”،،،وقد طعن فيه ابن عبد البر واستند إلى ما حكاه عن هارون بن إسحاق قال: سمعت ابن معين يقول: من قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعرف لعلي سابقيته وفضله فهو صاحب سنة، قال فذكرت له من يقول أبو بكر، وعمر، وعثمان ويسكتون فتكلم فيهم بكلام غليظ، وتعقب بأن ابن معين أنكر رأي قوم وهم العثمانية الذين يغالون في حب عثمان وينتقصون عليا، ولا شك في أن من اقتصر على ذلك ولم يعرف لعلي بن أبي طالب فضله فهو مذموم
المرحلة الرابعة: ازداد الغلو عند بعض عثمانيةِ الشام والبصرة، فجعلوا يتتبَّعون ويبحثون عن أخطاء علي رضي الله عنه ويُبرزونها من باب النكايةِ والرد على غلو شيعةِ الكوفة في علي رضي الله عنه، مع مشاعر السخط والكُرْهِ لعلي رضي الله عنه التي دخلت عليهم بسبب مقتل أبنائهم بصفين على ما مضى الحديث عنه في “المرحلة الثالثة”.
أدى هذا “الصراع المذهبي” إلى ازدياد الغلو في الطرفين، فالشيعة ادَّعَوا في علي رضي الله عنه العصمةَ واختلقوا الأحاديث في فضائله وفي ذم أهل الجمل وصفين، وهؤلاء جعلوا ينتقصون عليا ويؤوِّلُون ما صح من الأحاديث في فضائله على غير وجهها؛ نكايةً وردًّا على غلو الشيعة، وبغضا وسخطا من علي رضي الله عنه.
وقفة مع المرحلة الرابعة:
إن لي وقفةً مع هذه المرحلة الرابعة، وهي أن بعض مَن لم تترسخ أقدامهم في العلم في زماننا من المتحمسين في الرد على الشيعة القائلين بعصمة علي رضي الله عنه، جعلوا يفعلون مثل هذا الصنيع!! يُفتشون بحثا عن الأخطاء والمثالب في علي رضي الله عنه، ويخوضون في تفسير مواقفه على نحو مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة لتصبحَ أخطاءً لعلي رضي الله عنه!!
ولقد رأيتُ أحدهم في التواصل الاجتماعي سلك هذا الطريق المنحرف، فلم يزل كذلك – مع عدم رسوخه في العلم – حتى جره الشيطان إلى التطاول عَلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه والغمز واللمز فيه دون احترام ولا توقير بزعم الرد على غلو الرافضة وقولِهِم بالعصمة!! وكما هو معلوم أنه ليس من مذهب أهل السنة والجماعة تتبع الأخطاء والمثالب لأي أحد من الصحابة رضي الله عنهم كائنا من كان، بل هذا من صنيع الرافضة والنواصب.
المرحلة الخامسة: لقد أدى ذلك “الصراع المذهبي” – المذكور في المرحلة الرابعة – إلى تطور الأمر بعد صفين بجيل أو جِيلَيْنِ لدى بعض “العثمانية”، فجعلوا – مع بغضهم لعلي رضي الله عنه – يسبُّونه ويَلْعَنُونَه، نسأل الله العافية.
وفي هذه المرحلة بلغ الغلو منتهاه لدى بعض هؤلاء العثمانية، وأصبح مصطلح “العثمانية” في هذه المرحلة يطلق على النواصب.
والمثال عليه: حَرِيز بن عثمان الرَّحَبِيّ الحِمْصِي الشامي، ثقة ثبت رمي بالنصب، خ 4 ، ولد سنة 80هـ، وتوفي سنة 163هـ.
قال عَمْرو بْن علي الفَلَّاس: كَانَ ينتقص عليا وينال منه، وكان حافظا لحديثه. وقال في موضع آخر: ثَبْتٌ، شديدُ التَّحَامُلِ على عَلِيّ.
وقيل لزيد بن هارون: (كَانَ حَرِيزٌ يقول: لا أحب عليا؛ قتل آبائي [يعني بصفين]، قال [يزيد بن هارون]: لم أسمع هذا منه، كَانَ يقول: لنا إمامنا، ولكم إمامكم). يعني: لنا إمامنا معاوية، ولكم إمامكم علي، رضي الله عنهما.
وقال إسماعيل بْن عياش: (عادَلْتُ [يعني صاحَبْتُ] حَرِيزَ بْن عثمان من مصر إلى مكة، فجعل يَسُبُّ عليا ويلعنه). إسناده جيد.
نسأل الله العافية، ولقد نُقِلَ عنه أنه تاب من ذلك، رحمه الله وغفر له.
أخرج يحيى بن معين في “تاريخه” -برواية الْمُفَضَّلِ بن غَسَّان الغَلَّابِي – قال: (سمعتُ عليَّ بْنَ عَيَّاشٍ، قال: سَمِعْتُ حَرِيزَ بْن عثمان يقول لرجل: ويحك أما خفتَ الله، حكيتَ عني أني أَسُبُّ عليا؟! والله ما أَسُبُّهُ، وما سَبَبْتُهُ قط). إسناده صحيح، وهو محمول على أنه ما سَبَّهُ قط بعد توبته من ذلك، لأن السبَّ ثابت عنه. ينظر: تهذيب الكمال (5/568) التقريب (1184).
استمرت بدعة النصب بالوجود حتى القرن الخامس (400 – 499هـ)، ثم أثناءه أو بانتهائه اندثر النصب، وأصبح لا يسمع به إلا في أخبار الأولين.
لم يزل الأمر كذلك حتى نشأت في زماننا قبل نحو سبع سنوات ظاهرة جديدة، وهي: (ظاهرة النواصب الجدد)، وهي ما سأتحدث عنه في المقال التالي، والله ولي التوفيق.
انتهى.




