المغالطة الناصبية: كيف خالف النواصب الجدد إقرار معاوية بشرعية خلافة علي؟

شارك المقال:

الحمد لله وبعد:

أكتب هذا المقال بعد رؤيتي لبعض الحسابات في منصات التواصل الاجتماعي التي تدعي بأن خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه لم تكن شرعية، وبعد تتبعي لهذه الحسابات، وجدتُ بعضهم لديهم شبهات، وآخرون يهود وملاحدة يتخفون بأسماء وهمية بغية الطعن في الدين وبث الفتنة والاختلاف، ولقد راسلني حسابٌ من تلك الحسابات يدعوني لحوار أصحاب ذلك الفكر، فسرعان ما اكتشفتُ (بطريقة ما) أنه ملحد، نسأل الله العافية.

وهذه الآراء التي يتداولونها وينشروها بالتواصل الاجتماعي: تنطوي على إحياء بدعة النصب التي انقرضت قبل نحو ألف سنة.

وأصحاب هذه الآراء قد أطلق عليهم أهل العلم اسمَ: “النواصب الجُدُد”.

ومن أبرز آراء النواصب الجدد:

  • الطعن في الصحيحين وفي الأحاديث الصحيحة التي في غيرهما.
  • الطعن في علي بن أبي طالب والحسن والحسين رضي الله عنهم، ومحاولة إنكار فضائلهم، والادعاء بأن الأحاديث في فضائلهم ضعيفة أو موضوعة.
  • الطعن في الصحابي سفينة رضي الله عنه واتهامه بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الطعن في عمار بن ياسر رضي الله عنه.
  • اتهام أهل السنة قاطبة وعلمائهم بالبدعة، لكونهم لم يتبنوا آراءهم المحدثة، والزعم بأنه لم ينج أحد من التشيع إلا هم.
  • احتقار العرق الفارسي، وهو نابع من تأثر بعضهم بمبادئ قومية حزب البعث المخالفة لشرع الله عز وجل.

ولست في مقام الإجابة عن كل تلك الشبهات، وحسبي أن أبين للقارئ الكريم قضية كبرى تهدم أغلب الشبهات المثارة من جهة النواصب الجدد، وهي: أنه قد ثبت أن معاوية كان يقر بصحة وشرعية خلافة علي رضي الله عنهما، وإليك هذه الأدلة من لسان معاوية رضي الله عنه:

أولا: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ البَارِي (13/86) (وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ – أَحَدَ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ – فِي “كِتَابِ صِفِّينَ” فِي تَأْلِيفِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَنْتَ تُنَازِعُ عَلِيًّا فِي الْخِلَافَةِ أَوْ أَنْتَ مِثْلُهُ؟ قَالَ: «لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنِّي وَأَحَقُّ بِالْأَمْرِ [يعني الخلافة]، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُوماً وَأَنَا ابْنُ عَمِّهِ وَوَلِيُّهُ أَطْلُبُ بِدَمِهِ؟ فَأْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَعُ لَنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ». فَأَتَوْهُ فَكَلَّمُوهُ فَقَالَ: «يَدْخُلُ فِي الْبَيْعَةِ وَيُحَاكِمُهُمْ إِلَيَّ». فَامْتَنَعَ مُعَاوِيَةُ، فَسَارَ عَلِيٌّ فِي الْجُيُوشِ مِنَ الْعِرَاقِ حَتَّى نَزَلَ بِصِفِّينَ، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى نَزَلَ هُنَاكَ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَتَرَاسَلُوا فَلَمْ يَتِمَّ لَهُمْ أَمْرٌ، فَوَقَعَ الْقِتَالُ).

فهذا القول من معاوية: (وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنِّي وَأَحَقُّ بِالْأَمْرِ [أي بالخلافة]) هو قول صريح جلي بأن معاوية يرى عليا هو الخليفة الشرعي، وأنه أحق الناس بالخلافة بعد عثمان، ويؤيده أن معاوية لم يدّعِ الخلافة في حياة علي، نعم، اختلفا في تقديم الاقتصاص على البيعة، لا على صحة خلافة علي ولا على أحقيته بالخلافة، فتنبه للفرق، ولم يقل أحد من السلف بأن معاوية قاتل يوم صفين بسبب أنه يرى عدم شرعية خلافة علي أو عدم أحقيته بالخلافة أو عدم صحتها، رضي الله عنهم أجمعين.

ثانيا: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (31193): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُوسَى، عَنْ قَيْسِ بْنِ رُمَّانَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: «مَا قَاتَلْتُ عَلِيًّا إِلَّا فِي أَمْرِ عُثْمَانَ».

هذا الخبر صحيح بشواهده، وهو بتخريجه والكلام عليه في كتابي صحيح صفين [445].

وهذا الخبر ينطق فيه معاوية بلسانه بأنه لم يقاتل عليا على صحة خلافته ولا على شرعيتها، بل على الاختلاف في دم عثمان في تقديم الاقتصاص على البيعة، وهذا يعني أن معاوية مقر بصحة خلافة علي وشرعيتها، ولم يختلف معه إلا في تقديم الاقتصاص، رضي الله عنهم.

ثالثا: أَخْرَجَ البَلَاذُرِيُّ في أنساب الأشراف (2/153): حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَصْنَعِ الَّذِي صَنَعَ، ثُمَّ كَانَ فِي غَارٍ بِالْيَمَنِ، لَأَتَاهُ النَّاسُ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهُ مِنْهُ».

إسناده صحيح.

وتقدير الكلام: حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهُ مِنْهُ “فَيُبَايِعُوهُ”.

قوله (لَمْ يَصْنَعِ الَّذِي صَنَعَ): أي الحرب في الجمل وصفين.

معنى قول معاوية: لَوْ أَنَّ عَلِيًّا تَرَوَّى وَتَأَنَّى، وَبَقِيَ في المدينة ولم يخرج إلى العراق، وَكَفَّ يَدَهُ واجْتَنَبَ الحربَ، ولم يُقَاتِلْ أَهْلَ الشَّامِ: لَجَاءَتْهُ الأَمْصَارُ قاطِبَةً تُسَلِّمُ له بالبيعة دون أن يَطْلُبَ منهم ذلك، حتى أنا وأهل الشام، ولن يختار الناسُ – بمن فيهم أهل الشام – أحدًا للخلافة غَيْرَ عَلِيٍّ، لا يريد الناسُ غَيْرَهُ؛ لأنَّ كافةَ الناسِ آنذاك يرون أن عليًّا أحق الناس بالخلافة بعد عثمان، لا يختلفون في ذلك، رضي الله عنهم أجمعين.

وفيه دلالة على أن أهل الجمل وصفين كانوا يرون أحقية علي بالخلافة، وصحة خلافته وشرعيتها، لكن استخدام علي لخيار الحرب أدى إلى تمسك أهل الشام بموقفهم لأسباب ذكرتها في كتابي صحيح صفين (1/115).

وقول معاوية الذي هنا: قد قَالَ مِثْلَهُ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم، وسيأتي قولهما بعد قليل،،،

وهذا القول قَالَهُ معاويةُ زَمَنَ خلافته؛ لأنَّ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ: كُوفِيٌّ، وأهل الكوفة لا يمكنهم السماع من معاوية بعد مقتل عثمان إلى عام الجماعة، لأن الفتنة كانت على ساقها، كانوا لا يأتونه في الشام، ولا يأتيهم بالكوفة، أما بعد الجَمَاعَةِ: فَنَعَمْ.

وأما قول الحسنُ بن علي: فأخرج ابن أبي شيبة (38526) بإسناد صحيح أن الحسن قال لأبيه: (ثُمَّ أَمَرْتُكَ حِينَ قُتِلَ [عثمان] أَنْ تَلْزَمَ بَيْتَكَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْعَرَبِ غَوَارِبُ أَحْلَامِهَا، فَلَوْ كُنْتَ فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَضَرَبُوا إلَيْك آبَاطَ الإِبِلِ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوكَ مِنْ جُحْرِكَ، فَعَصَيْتَنِي).

قوله (حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْعَرَبِ غَوَارِبُ أَحْلَامِهَا) أي حتى ترجع إليها عقولها بعد أن طاشت بفاجعة استشهاد عثمان، فإذا سكنت نفوسهم عادت إليهم عقولهم وجاؤوا إلى علي يبايعونه.

(لَضَرَبُوا إلَيْك آبَاطَ الإِبِلِ): لَأَجْهَدُوهَا في السَّيْرِ وَقَطْعِ الْمَفَاوِزِ لِيَصِلُوا إِلَيْكَ فَيُبَايِعُوكَ.

(حَتَّى يَسْتَخْرِجُوكَ مِنْ جُحْرِكَ) تقدير الكلام: فَيُبَايِعُوكَ.

وهذا وقع بِالرَّبَذَةِ بعد مسير علي بجيشه من المدينة سنة (36هـ).

وأما قول عبد الله بن عباس، فأخرج الطبراني في المعجم الكبير (10613) بإسناد حسن أن ابن عباس قال: (إِنَّهُ لَـمَّـا كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مَا كَانَ – يَعْنِي عُثْمَانَ – قُلْتُ لِعَلِيٍّ: اعْتَزِلْ، فَلَوْ كُنْتَ فِي جُحْرٍ طُلِبْتَ حَتَّى تُسْتَخْرَجَ، فَعَصَانِي).

قوله (اعْتَزِلْ): الاعْتِزَالُ هُنَا بِمَعْنَى “الاجْتِنَاب”، [تاج العروس (2/188) مادَّة: جنب]، أي اجْتَنِبْ طَلَبَ البيعة من الأمصار عموما، وَاجْتَنِبْ طَلَبَهَا “بالقوة” من أهل الشام على وجه الخصوص الذين امتنعوا عن أدائها، فإن الأمصار كلها لا سِيَّمَا أهل الشام: سوف تأتيك بالبيعة إلى مكانك دون أن تطلبها منهم.

قوله (حَتَّى تُسْتَخْرَجَ): أي فَتُبَايَعَ.

وفي لفظ: (وَإِنَّهُ لَمَّا وُثِبَ عَلَى عُثْمَانَ فَقُتِلَ، قُلْتُ لِابْنِ أَبِي طَالِبٍ: اجْتَنِبْ هَذَا الأَمْرَ، فَسَتُكْفَاهُ، فَعَصَانِي، وَمَا أُرَاهُ يَظْفَرُ). جامع مَعْمَرِ بنِ رَاشِدٍ (20969) بإسناد صحيح.

أي اجْتَنِبْ طَلَبَ البيعة من الأمصار، وَاجْتَنِبْ طَلَبَهَا على وجه الخصوص ممن امتنعوا من أدائها، وهم أهل الشام، فإن الأمصار كلها – لا سيما أهل الشام – سوف تأتيك بالبيعة إلى مكانك، ويكفيك اللهُ عَنَاءَ طلبِها، وإذا طلبَها بالقوة من أهل الشام فلن ينتصر عليهم.

وفي لفظ: (إِنِّي قُلْتُ لِعَلِيٍّ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ: ارْكَبْ رَوَاحِلَكَ فَالْحَقْ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ النَّاسَ سَيَتَّبِعُونَكَ وَلَا يَجِدُونَ مِنْكَ بُدًّا. فَعَصَانِي). تاريخ المدينة لابن شَبَّة (4/1255 – 1256) إسناده صحيح.

الرَّوَاحِلُ: وَاحِدَتُهَا رَاحِلَةٌ، وَالهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ البَعِيرُ الْقَوِيُّ عَلَى الأَسْفَارِ وَالأَحْمَالِ، مَعَ النَّجَابَةِ، وَتَمَامِ الخَلْقِ، وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ. لسان العرب (11/277) مادَّة: رحل.

وقول ابن عباس هذا: كان بعد الجَمَلِ وَقَبْلَ صِفِّينَ حينما كان واليًا على البصرة.

ومما يؤيد قول هؤلاء الثلاثة (الحسن وابن عباس ومعاوية) بأن الناس متفقة على بيعة علي t: أخبار صحيحة دلت على أن كل الناس بايعت عليا بعد استشهاد عثمان سوى أهل الشام، وإليك تلك الأخبار:

الخبر الأول:

أَخْرَجَ ابْنُ بَطَّةَ فِي الإِبَانَةِ الكُبْرَى (8/264) [(2/547، رقم2919) ت: آل حمدان]: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الخَوَّاصُ وَالقَافُلَائِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَسَمِعْتُ الحَادِيَ يَحْدُو: «إِنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ ابْنُ عَفَّانَ»، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ فَسَمِعْتُ الحَادِيَ يَحْدُو: «إِنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عَلِيٌّ».

إسناده صحيح، وصححه ابن حجر في فتح الباري (13/198).

هذا دليل صريح على أن الناس – من الصحابة والتابعين – كانوا يرون أن أحق الناس بالخلافة بعد عمر: عثمان، وبعد عثمان: علي رضي الله عنهم.

هذا الحِدَاءُ سمعه الناسُ في الحج في زمن اجتماع الناس وسادتِهِمْ مِن كافة الأمصار، والخليفة يسمعه أيضا، فلم ينكر أحد من الناس هذا القول.

والحُجَّاجُ سيرجعون إلى أمصارهم وينقلون إليها ما سمعوه بحضور الخليفة، ولم يبلغنا أن أهل الأمصار أنكروا شيئا من ذلك، فكان ذلك اتفاقا في الرأي العام في ذلك الزمان على عثمان ثم علي رضي الله عنهما.

الخبر الثاني:

أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي “الفَضَائِلِ”: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ – يَعْنِي: ابْنَ رَاشِدٍ – قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْفٌ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الْحَسَنِ [البصري]، فَذَكَرُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ ابْنُ جَوْشَنٍ الْغَطَفَانِيُّ: يَا أَبَا سَعِيدٍ [يعني الحسن البصري]، إِنَّمَا أَزْرِي بِأَبِي مُوسَى اتِّبَاعَهُ عَلِيًّا، قَالَ: فَغَضِبَ الْحَسَنُ حَتَّى تَبَيَّنَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ قَالَ: «فَمَنْ يُتَّبَعُ؟ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ مَظْلُومًا، فَعَمَدَ النَّاسُ إِلَى خَيْرِهِمْ فَبَايَعُوهُ، فَمَنْ يُتَّبَعُ؟ حَتَّى رَدَّهَا مِرَارًا».

إسناده صحيح.

قوله (أَزْرِي)، يقال: أَزْرَى بِفُلَانٍ يُزْرِي بِهِ إِزْرَاءً: عَابَ عَلَيْهِ وَعَاتَبَهُ. لسان العرب (14/356) مادَّة: زري.

قوله (فَعَمَدَ النَّاسُ إِلَى خَيْرِهِمْ فَبَايَعُوهُ)، ال التعريف في الناس: استغراقية، أي كل الناس، وفيه دلالة على أن الناس يعتقدون أن عليا هو خير الناس وأحقهم بالخلافة بعد استشهاد عثمان.

وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ في السنة (651): وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ زِيَادٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَوْفٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الْحَسَنِ، فَكَانَ ثَمَّ رَجُلٌ انْتَقَصَ أَبَا مُوسَى بِاتِّبَاعِهِ عَلِيًّا، فَغَضِبَ الْحَسَنُ ثُمَّ قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ!! قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى خَيْرِهِمْ فَبَايَعُوهُ، أَفَيُلَامُ أَبُو مُوسَى وَأَتْبَاعُهُ؟!».

صحيح كسابقه.

قوله (فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى خَيْرِهِمْ فَبَايَعُوهُ)، الاجتماع يدل على عدم تخلف أحد عن بيعة علي، إلا ما كان من أهل الشام الذين اشترطوا تقديم الاقتصاص.

ودل هذا الخبر على أن أبا موسى قد بايع أمير المؤمنين عليا؛ لأنه كان مُتَّبِعًا له.

الخبر الثالث:

أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي “فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ” (969): حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، قثنا عَبْدُ الْمَلِكِ، يَعْنِي: ابْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَقْتُولٌ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَقْتُولٌ السَّاعَةَ، قَالَ: فَقَامَ عَلِيٌّ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَأَخَذْتُ بِوَسَطِهِ تَخَوُّفًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «خَلِّ لَا أُمَّ لَكَ»، قَالَ: فَأَتَى عَلِيٌّ الدَّارَ، وَقَدْ قُتِلَ الرَّجُلُ، فَأَتَى دَارَهُ فَدَخَلَهَا، وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَأَتَاهُ النَّاسُ فَضَرَبُوا عَلَيْهِ الْبَابَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ قُتِلَ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ خَلِيفَةٍ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: «لَا تُرِيدُونِي، فَإِنِّي لَكُمْ وَزِيرٌ خَيْرٌ مِنِّي لَكُمْ أَمِيرٌ»، فَقَالُوا: لَا وَاللهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ، قَالَ: «فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ فَإِنَّ بَيْعَتِي لَا تَكُونُ سِرًّا، وَلَكِنْ أَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُبَايِعَنِي بَايَعَنِي»، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ.

إسناده صحيح.

قوله في آخر الخبر: (فَبَايَعَهُ النَّاسُ)، يدل على أن كل الناس بايعوه لدلالة ال الاستغراقية كما مضى بيانه قريبا.

قال أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ قَالَ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: اكْتُبْ هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ فِي خِلَافَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه. الشريعة للآجري (1215).

وقال أحمد مرة أخرى: (مَا أَعْجَبَهُ مِنْ حَدِيثٍ). السنة للخلال (620).

استدل الإمام أحمد بهذا الحديث على أن انعقاد البيعة لعلي بمبايعة كل الناس له عدا أهل الشام.

وقال الآجري بعد أن أخرج هذا الحديث: (فَهَذَا مَذْهَبُنَا فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ الرَّابِعُ).

ولهذا الحديث لفظ آخر،،،

أخرج الخلال في السنة (623) أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْكُوفِيُّ قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيٍّ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ رضي الله عنهما، فَقَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ قُتِلَ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَامٍ، وَلَا نَجِدُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ، أَقْدَمَ مَشَاهِدًا وَلَا أَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ عَلِيٌّ: «لَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي وَزِيرٌ خَيْرٌ مِنِّي أَنْ أَكُونَ أَمِيرًا» ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ حَتَّى نُبَايِعَكَ. قَالَ: فَفِي الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي بَيْعَتِي أَنْ تَكُونَ خَفِيًّا، وَلَا تَكُونَ إِلَّا لِمَنْ رَضِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ “. قَالَ: فَقَامَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَلَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُشْغَبَ عَلَيْهِ، وَأَبَى هُوَ إِلَّا الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا دَخَلَ جَاءَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَبَايِعُوا وَبَايَعَ النَّاسُ.

خبر صحيح كسابقه، وهذا إسناد ضعيف.

ذُكر في هذا الخبر: الصحابة، وذُكر آخرَهُ المهاجرون والأنصار، رضي الله عنهم.

الخبر الرابع:

أَخْرَجَ ابْنُ دِيزِيلَ فِي كِتَابِهِ “صِفِّينَ” [36] خَبَرًا طويلًا، فيه: أنَّ عَلِيًّا بَعَثَ جَرِيراً رَسُولاً إِلَى مُعَاوِيَةَ t قَبْلَ مَوْقِعَةِ صِفِّينَ؛ يَدْعُوهُ إلى البَيْعَةِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَهُ، وَكَانَتْ نُسْخَتُهُ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ بَيْعَتِي لَزِمَتْكَ وَأَنْتَ بِالشَّامِ؛ لأَنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِشَاهِدٍ أَنْ يَخْتَارَ، وَلا لِغَائِبٍ أَنْ يَرُدَّ، وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَامًا، كَانَ ذَلِكَ للهِ رِضًا).

هذا خبر مقبول بقرائنه، وهو في صحيح صفين [237] [287].

ويدل على المهاجرين والأنصار جميعا قد بايعوا عليا رضي الله عنهم.

الخبر الخامس:

أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (38986):حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى قَالَ: انْتَهَى عَبْدُ اللهِ بْنُ بُدَيْلٍ إِلَى عَائِشَةَ وَهِيَ فِي الْهَوْدَجِ يَوْمَ الْجَمَلِ فَقَالَ: «يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْشُدُك بِاللهِ، أَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَتَيْتُكِ يَوْمَ قَتْلِ عُثْمَانَ فَقُلْتُ: إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ فَمَا تَأْمُرِينِي؟ فَقُلْتِ لِي: “الْزَمْ عَلِيًّا؛ فَوَاللهِ مَا غَيَّرَ وَلاَ بَدَّلَ”؟» فَسَكَتَتْ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: فَسَكَتَتْ، فَقَالَ: «اعْقُرُوا الْجَمَلَ»، فَعَقَرُوهُ. قَالَ: فَنَزَلْتُ أَنَا وَأَخُوهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَاحْتَمَلْنَا الْهَوْدَجَ حَتَّى وَضَعَنَاهُ بَيْنَ يَدَيْ عَلِي، فَأَمَرَ بِهِ عَلِيٌّ فَأُدْخِلَ فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُدَيْلٍ.

إسناده حسن. يَعْقُوْبُ: هو ابْنُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعْدٍ القُمِّيُّ. وابْنُ أَبْزَى: هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ رضي الله عنه، كما في الفتح.

وجوَّد إسناده ابْنُ حجر في فتح الباري (13/57) قال: (أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ…)، فذكره.

هذا الخبر يدل على أن أهل الجمل قد بايعوا عليا؛ لأن عائشة بعد استشهاد عثمان أمرت ابن بُدَيل بأن يبايع عليا ويلزمه، رضي الله عنهم.

وسكوت عائشة حين سألها ابنُ بُدَيل رضي الله عنهما: يدل على إقرارها بصحة كلامه، وعَلَى نَدَمِهَا في الخروج إلى العراق عندما رَأَتِ القَتْلَ قد اسْتَحَرَّ أَمَامَ عَيْنَيْهَا.

ويدل الخبر أيضا: أن كل الناس كانوا متفقين بأن عليا هو الخليفة، بمن فيهم مَن خالفوه الرأي، ويدل عليه الخبر التالي،،،

الخبر السادس:

أَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي “مُسْنَدِهِ” – كَمَا فِي المطالب العالية (4401) – قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنًا، يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ جَاوَانَ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ:….. وَلَقِيتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، فَقُلْتُ: لَا أَرَى هَذَا إِلَّا مَقْتُولًا، فَمَنْ تَأْمُرَانِي أَنْ أُبَايِعَ؟ قَالَا: عَلِيًّا. فَقُلْتُ: أَتَأْمُرَانِي بِذَلِكَ وَتَرْضَيَانِهِ لِي؟ فَقَالَا: نَعَمْ. فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَأَنَا لَكَذَلِكَ إِذْ قِيلَ: “قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ”، وَبِهَا عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَتَيْتُهَا فَقُلْتُ لَهَا: أَنْشُدُكِ اللهَ مَنْ تَأْمُرِينِي أَنْ أُبَايِعَ؟ قَالَتْ: عَلِيًّا. فَقُلْتُ: أَتَأْمُرِينِي بِذَلِكَ وَتَرْضَيْنَهُ لِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ، فَقَدِمْتُ عَلَى عَلِيٍّ بِالْمَدِينَةِ فَبَايَعْتُهُ….).

حسن بشواهده، وقد ذكرت شواهده في صحيح صفين [262].

دل هذا الحديث على أن الناس متفقين على خلافة علي، فهذان طلحة والزبير قبل مقتل عثمان يأمران الناس ببيعة علي بعده، وهذه عائشة تأمر الناس ببيعة علي بعد استشهاد عثمان، رضي الله عنهم. انظر الخبر السابق.

ويدل على أن طلحة والزبير وعائشة بايعوا عليا؛ لأنهم كانوا يأمرون الناس ببيعة علي، رضي الله عنهم.

كانت هذه بعض الأدلة التي تدل على بيعة كل الصحابة عليا عدا أهل الشام، والأدلة في ذلك أكثر مما ذكرتُ هنا، وسوف أذكرها في كتابٍ يطبع لاحقا إن شاء الله.

ومن زعم بأن الصحابي فلان أو فلان لم يبايع عليا رضي الله عنه فعليه أن يأتي بدليل صحيح يدل على ذلك، لأنه لا يخرج أحد عن هذه القاعدة إلا بدليل صحيح يستثنيه منها.

وفي الختام، اتصلت بالشيخ المؤرخ أ.د. أكرم ضياء العُمَرِي قبل نحو ثلاثة أشهر، فسألته عما ذكره في كتابه عصر الخلافة الراشدة (ص441) حيث سمى نفرًا من الصحابة رضي الله عنهم وقال بأنهم لم يبايعوا عليا رضي الله عنه، قلت له: (هل أعاد فضيلتكم دراسة المسألة بعد نشركم الكتاب؟ أو هل تغير رأيكم فيها؟) فقال: (لم أدرسها بعد نشري للكتاب)، قلت: (فإني وجدت أدلة صحيحة تدل على أنهم بايعوا عليا على الخلافة، وأنهم لم يمتنعوا من بيعة علي، إنما امتنعوا من شهود القتال في الفتنة كحال معظم الصحابة، وإن الأدلة الصحيحة تدل على بيعتهم)، قال: (إن درستَ المسألة يا بُنَيَّ ووقفتَ على أدلة صحيحة تدل على بيعتهم، فهذا هو الصواب الذي ينبغي على الباحث اتباعه، وأنا كما ذكرت لك لم أبحث المسألة بعد نشري للكتاب، ومن الجيد أنك تجمع تلك الأدلة الصحيحة ثم تنشرها).

والحمد لله رب العالمين.