قراءة تاريخية في حقائق الفتنة: تفنيد الأوهام حول جيش عليّ ومسار يوم الجمل ومآل قتلة عثمان

شارك المقال:

الحمد لله وبعد:

إن قراءة التاريخ الإسلامي، لا سيما فترة الخلافة الراشدة وما شابها من فتن، تتطلب تجرداً تاماً واعتماداً على الروايات الصحيحة المحققة، بعيداً عن الأوهام التاريخية أو الشبهات المحدثة التي يحاول البعض ترويجها في فضاءات التواصل الاجتماعي. ومن يطالع مسار الأحداث يجد ركاماً من المفاهيم المغلوطة حول مواقف الصحابة رضي الله عنهم، وجيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والظروف المحيطة بموقعة الجمل وعام الجماعة.

وفي هذا المقال، نسلط الضوء على ثلاث قضايا مركزية كثر فيها اللغط، لنبين وجه الحق فيها بالدليل الأثري والنظر المقاصدي.

أولاً: دعوى وجود “ذا الخويصرة” في جيش عليّ

يقذف بعض الكُتّاب بفرص غير محققة، مدعين أن “ذا الخويصرة التميمي” (رأس الخوارج) كان في جيش أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. وهذه دعوى عارية عن الدليل والخطام؛ فمن يملك دليلاً صحيحاً يؤيد هذا القول فليتفضل بتقديمه. إن مذهب أمير المؤمنين عليّ وعقيدته وسيرته تأبى الاستنصار بأهل البدع والزيغ، وتاريخ الخوارج ونشأتهم مدون ومعروف، ومحاولة خلط الأوراق بربط هذه الشخصيات بجيش الخليفة الراشد مجرد وهم تاريخي لا يثبت أمام النقد العلمي.

ثانياً: حقيقة مسير عليّ رضي الله عنه ومؤامرة الغلس في يوم الجمل

من المغالطات الشائعة القول بأن علياً رضي الله عنه سار بجيشه ابتداءً لقتال أهل الجمل (طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم). والحقيقة التاريخية الناصعة تفيد بأن علياً لم يكن يعلم أصلاً بمسير طلحة والزبير إلى العراق، ولم يبلغه الخبر إلا وهو في طريقه عندما وصل إلى “الرَّبَذَة”.

ولما وصل أمير المؤمنين إلى العراق، التقى بطلحة والزبير، وجرى بين السادة الأجلاء حوار عظيم استبانوا فيه المقاصد؛ فلما سألهما عليّ عن سبب مسيرهما، أخبراه بأن الدافع هو “الطلب بدم عثمان” والاقتصاص من قتلته. وحينها، التقت الإرادات، واتفق أركان الأمة (علي وطلحة والزبير) على أمرين حاسمين:

  1. أن طلحة والزبير مقيمان على طاعة أمير المؤمنين عليّ، لا يخالفانه في شيء.
  2. الاتفاق التام على القيام بالاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه في الوقت المناسب.

بناءً على هذا الاتفاق المبارك، باتت الأمة في خير ليلة، وبات قتلة عثمان في شر ليلة بعد أن شعروا أن طوق العدالة سيتخطفهم. وهنا تحركت يد المؤامرة لإفشال الصلح؛ حيث أجمع المجرمون (وكانوا قريباً من ألفي رجل) على إثارة الحرب في الغلس (قبل طلوع الفجر). وهجموا بالسيوف على المعسكرين، فظن كل فريق أن الفريق الآخر قد غدر به، فثارت الحرب اضطراراً للدفاع عن النفس.

وقد ساق الحافظ ابن كثير هذه القصة بالتفصيل في البداية والنهاية (طبعة هجر، 10/ 455) قائلاً: «وَبَاتَ النَّاسُ بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، وَبَاتَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ بِشَرِّ لَيْلَةٍ، وَبَاتُوا يَتَشَاوَرُونَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يُثِيرُوا الْحَرْبَ مِنَ الْغَلَسِ، فَنَهَضُوا مِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ…». وهي قصة صحيحة ثبتت أركانها، وصححها القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (16/ 319).

فالحرب إذن اشتعلت بمؤامرة دنيئة من قتلة عثمان ليشغلوا الأمة بأنفسهم، ودون علم أو إرادة من عليّ أو طلحة أو الزبير رضي الله عنهم.

ثالثاً: وجود قتلة عثمان في معسكر عليّ ومآل القضية في عام الجماعة

تُثار شبهة أخرى مفادها: كيف يتواجد قتلة عثمان في جيش عليّ؟ والجواب: أن هؤلاء الخوارج تغلغلوا ودخلوا في معسكر الخليفة بقصد حماية أنفسهم في وقت انشغلت فيه الأمة بالفتنة، واستغلوا انشغال الخليفة الراشد بأمر أهل الشام في مسألة “تقديم الاقتصاص على البيعة”. ورغم أن علياً وطلحة والزبير اتفقوا -كما أسلفنا- على القصاص منهم، إلا أن هؤلاء الخوارج أفشلوا الاتفاق بإشعال الحرب، فعادت الفتنة بأشد مما كانت.

ولشدة اضطراب الأحوال، وعظم شوكة الخوارج وتغلغلهم في القبائل، لم يستطع أحد من الصحابة آنذاك إنفاذ القصاص؛ لا عليّ، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا معاوية، ولا الصحابة كلهم رضي الله عنهم؛ لأن مفسدة محاولة استخراجهم كانت كفيلة باستئصال شأفة المجتمع المسلم وإعادة الفتنة جذعة.

وظل الأمر كذلك حتى جاء “عام الجماعة” (سنة 41 هـ)، فحين تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما بالخلافة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، واجتمعت الكلمة، أصدر الحسن ومعاوية عفواً عاماً عن كل الدماء التي سُفِكت في الفتنة، وكان هذا العفو يشمل بطبيعة الحال قتلة عثمان رضي الله عنه.

لقد اتخذ الحسن ومعاوية هذا القرار الحكيم لمعرفتهما الفقهية والسياسية بأن فتح هذا الملف مجدداً، ومحاولة الاقتصاص من أولئك النفر، سيعيد الفتنة من جديد من أوسع أبوابها؛ نظراً لأن أولئك القتلة كانت لهم قبائل وعصبيات تحميهم وتغضب لغضبهم.

هذا الصلح العظيم والعفو العام لم يكن تقصيراً في حق الدم، بل كان حقناً لدم الأمة الطاهر، ولذلك امتدحه النبي ﷺ قبل وقوعه بعقود، وجعل الصلح شهادة سيادة للحسن رضي الله عنه؛ ففي صحيح البخاري (2704) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ».

خاتمة

إن تفاصيل تلك الحقبة واسعة ومتشعبة، لكن النظر المنصف المبني على الروايات المصححة يكشف أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مجتهدين، طالبين للحق، حريصين على دماء المسلمين. وأن ما وقع من قتال إنما كان بنفثات قتلة عثمان ومؤامراتهم لإشعال الفتنة كلما لاحت بوادر الصلح، حتى أطفأ الله جمرتها على يد سيد شباب أهل الجنة الحسن بن علي، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين، ليظل فقههم وموقفهم مناراً للأمة في حقن الدماء وجمع الكلمة.

والله يرعاكم ويسدد