الحمد لله، وبعد:
ها نحن نحقق مذهب الإمام مالك، والمالكية ليستبين الموقف الصريح الصحيح لمذهب مالك.
قال القاضي عِياضٌ: (المَشهورُ عن مالِكٍ وسُفيانَ، وكافَّةِ أئِمَّةِ الحَديثِ والفُقَهاءِ، وكَثيرٍ مِنَ المُتَكَلِّمينَ: تَرتيبُ الأربَعةِ في الفَضلِ حَسَبَ تَرتيبِهِم في الخِلافةِ). إكمال المعلم (7/ 382).
فهو ذكر أن الإمام مالك وسفيان الثوري وكافة الأئمة والفقهاء على أن الخلفاء الراشدين الأربعة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فهم على هذا الترتيب في الخلافة وفي الفضل.
ونقل اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (2615) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 1173) عن الإمام مالك أنه كان يقول بترتيب الخلفاء الراشدين بمثل ذلك، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
وقال الأبهري في شرح المختصر [ت أحمد (٦٣٠/٤)]: (قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً يقول: تُوُفِّي رسول الله ﷺ، فقام أبو بكرٍ سنتين، وعُمَرُ عشر سنين، وعثمان اثنتي عشرة سنةً، ثمَّ سار عليٌّ مَسِيرَهُ، فخرجت عليه الخوارج).
وقال السفاريني في «لوامع الأنوار البهية» (2/ 355): (الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما».
وقال سحنون في “المدونة” – دار الكتب العلمية (1/ 530): (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْحَرُورِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَهُمْ: إنَّهُمْ يُقْتَلُونَ إذَا لَمْ يَتُوبُوا إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا، وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُمْ إنْ خَرَجُوا عَلَى إمَامٍ عَدْلٍ يُرِيدُونَ قِتَالَهُ وَيَدْعُونَ إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ: دُعُوا إلَى الْجَمَاعَةِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا).
ابن القاسم: هو عبدُ الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنادة العُتَقي المصري.
هذه الفتوى أخذها الإمام مالك من فقه علي رضي الله عنه حين حارب أهل النهروان، دعاهم إلى الجماعة والسنة، وأقام عليهم الحجة، فلما أبَوْا قاتلهم بالنهروان.
وهذا يدل على أن الإمام مالك كان يرى عليا هو خليفة المسلمين في زمانه؛ لأنه رآه الخليفة الراشد العدل الذي خرجت عليه الخوارج، فأخذ منه الفقه في هذه المسألة، ذكر ذلك سحنون بعد هذا النص في المدونة.
وقال أبو زيد القيرواني المالكي في عقيدة السلف (ص61): (وَأفْضَلُ الصحابة: الخُلَفاءُ الرَّاشدون المَهْديُّون؛ أبو بكر ثمَّ عُمر ثمَّ عُثمان ثمَّ عليٌّ رضي الله عنهم أجمعين).
وقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد (3/ 153): (الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ… وَهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ).
وقال أيضا في التمهيد (8/ 66) (وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ: «سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا»، وَلَمْ يَقُلْ “خُلَفَاءُ”: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ، وَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ بِهِ مُسْلِمٌ يَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُ اللَّهَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ مِنَ الْخُلَفَاءِ لَا مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ بَعْدِي»، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، فَسَمَّاهُمْ “خُلَفَاءَ”، وَقَالَ ﷺ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ إِمْرَةً وَمُلْكًا وَجَبَرُوتًا»، فَتَضَمَّنَتْ مُدَّةُ الْخِلَافَةِ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ).
انتهى.




